أبي منصور الماتريدي

82

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وأما ما ذكر أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان كف نفسه عن شرب « 1 » العسل ، فذلك يحتمل أيضا ، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن ؛ لأنه لا يحتمل أن يكون لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في شرب العسل من الرغبة ما يدخل على نسائه المكروه لأجله ، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه فيحملهن ذلك على ما ذكر . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ . دل قوله : فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ أنه قد طلب منها إسرار ذلك الحديث الذي أسر إليها ، وليس بنا حاجة إلى تعرف الحديث الذي أسر إليها . وفيه دلالة : أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إنما علم بإفشائها سره إلى صاحبتها بالله تعالى ، وهو قوله : وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ . وقوله - عزّ وجل - : عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ . فقوله : [ عَرَّفَ ] « 2 » قرئ بالتخفيف والتشديد ، فمن قرأه بالتشديد ، فهو على أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عرفها بعض ما أنبأت من القصة التي أسر إليها ، ولم يعرفها البعض ؛ لأنه لم يكن القصد من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن يخبرها بذلك النبأ الذي [ أسر به ] « 3 » إليها ، وإنما كان المقصود منه تنبيهها بما أظهرت من السر ، وأفشت إلى صاحبتها ؛ لتنزجر إلى المعاودة إلى مثله ، والبعض من ذلك يعلمها ما يعلم الكل ، فلم يكن إلى إظهار الكل حاجة . وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال لها : « ألم أقل لك » ؟ ! وسكت عليه ، وفي هذا آية لرسالته ومنعهن عن إسرار ما يحتشمن عن إبداء مثله لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فإنهن إن فعلن ذلك ، أظهر الله - عزّ وجل - لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك ؛ فيعلم ما يسرون . ومن قرأه عرف بالتخفيف ، فهو يحمله على الجزاء فيقول : عَرَّفَ بَعْضَهُ أي : جزى عن بعض ما استوجبته بإفشاء السر ، وأعرض عن بعض الجزاء ؛ يقول الرجل لآخر : عرف حقي فعرفت له حقه ، أو عرفت حقي فسأعرف حقك ، أي : أقوم بجزاء ذلك ، وذكر في الأخبار أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم طلق حفصة تطليقة ، ثم نزل جبريل - عليه السلام - فقال له : راجعها ؛ فإنها صوامة قوامة ، وإنها لزوجتك في الجنة [ ؛ فجائز أن يكون ] « 4 » طلاقه إياها جزاء لبعض صنيعها .

--> ( 1 ) في ب : شراب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : أسرت . ( 4 ) في أ : فيكون .